الغزالي

41

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

حلو سمين إلى أن هاض وهاضت معدته ، فرأى فضيحته من هلاك معدته ونتونة نفسه وكره برازه وحاجته ، فندم بعد ذهاب لذّته وبقاء فضيحته من هلاك معدته . وكذلك كلّما ألف الإنسان لذات الدّنيا وتبيّن له ذلك كانت عاقبته أصعب ، ويبتلى بمثل ذلك عند نزعه وخروج روحه ، كمن كان له نعم كثيرة وذهب وفضة وجوار وغلمان وكروم وبساتين وفارقه ، كان ألم فراق روحه عليه أصعب ممّن ليس له إلّا القليل ، فإن ذلك الألم والعذاب لا يزول بالموت بل يزيد ، لأن تلك المحبة صفة القلب والقلب بحاله لا يموت . 6 - المثال السادس : من ذلك : اعلم أيها السلطان أن أمور الدّنيا أول ما تبدو يظنها الإنسان قريبة مختصرة وأن شغلها لا يدوم ، وربّما كان من بعض أشغالها وأحوالها أمر يتسلسل منه أمر وينفق فيه بضاعة العمر ، فإن عيسى عليه السلام قال : طالب الدّنيا كشارب ماء البحر كلّما ازداد شربا ازداد عطشا ولهبا فلا يزال يشرب حتى يهلك ولا يروى . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كما لا يمكن من خاض البحر أن لا يناله البلل ، كذلك لا يمكن من دخل في أمور الدّنيا أن لا يتدنّس » « 1 » . 7 - المثال السابع : من ذلك : مثل من حصل في الدّنيا كمثل ضيف دعي إلى مائدة ، ومن عادة المضيف أن يزين داره للأضياف ويدعو إليها قوما بعد قوم وفوجا بعد فوج ، ويضع بين يدي أضيافه طبقا من ذهب مملوءا بالجوهر ومجمرة من فضة من عود وبخور ليتطيّبوا وينالهم طيب رائحتها ، ثم يعاودون الطبق والمجمرة بحالهما لمالكهما ليدعو غيرهم كما دعاهم . فمن كان عاقلا عارفا برسم الدعوات وضع من ذلك البخور على النار وتطيب وانصرف ، ولم يطمع أن يتناول الطبق والمجمرة ، وتركهما بطيبة من قلبه ، وشكر لصاحب البيت وربّه . ومن كان أبله أحمق توهّم أن ذلك الطبق والمجمرة قد أعدّا له وهم يريدون أن يهبوهما له ، فلمّا همّ بالخروج أخذ الطبق والمجمرة فلم يمكّن

--> ( 1 ) أورده الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين [ جزء 3 - صفحة 216 ] بلفظ : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه ) . قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من رواية الحسن قال : بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال . . فذكره . ووصله البيهقي في الشعب وفي الزهد ، من رواية الحسن عن أنس .